سؤال بات يتردد على كل لسان : لماذا يستمر المسؤولون – وزيراً كان أو محافظاً أو رئيس حي أو مديراً في مصلحة حكومية خدمية – في تجاهل شكاوى المواطنين اليومية، سواء كانت خاصة أم عامة؟
يبدو أن كثيراً من المسؤولين لم يدركوا بعد أن نجاحهم الحقيقي لا يُقاس بعدد الاجتماعات ، والجولات التليفزيونية والصور الإعلامية المعدة مسبقا .. بل بمستوى رضا المواطن ولو من باب الرعاية الشكلية ..
فإهمال الشكوى لا يؤثر على المواطن فحسب .. بل ينعكس سلباً على أدائه في عمله وحياته الأسرية وتعامله مع الشارع الذي يمشي فيه ووسائل المواصلات التي يستخدمها !
والأخطر أن تجاهل شكوى مواطن واحد يخصم من رصيد الحكومة كلها في وجدان المواطنين، مما يؤدي إلى تآكل الثقة تدريجياً بين المواطن وحكومته ، ويضعف الانتماء لديه
ومن أبرز تجليات هذا التجاهل ما يحدث في الأحياء والشوارع حيث أصبح اغتصاب الأرصفة ظاهرة يومية، حيث تمتد المحلات والكافيهات والمطاعم على الأرصفة دون رادع، فتضيق الطريق على المشاة، وخاصة كبار السن والسيدات وذوي الإعاقة. ويتحول الرصيف – الذي هو حق عام – إلى ملكية خاصة، وسط فوضى السيارات المركونة عشوائياً والعشوائية التي باتت تسيطر على الشارع وتفتقر لأبسط معايير السلامة والنظام ناهيك عن ظاهرة الكلاب الضالة التي لا تتوقف عن النباح وباتت تعرض حياة الناس للخطر وفي أماكن لم يكن يتصور أن تنتشر فيها الكلاب في مجموعات كبيرة وكأنها تقول : الشاطر يعترض أو يقرب !
والغريب أن معظم الجهات الحكومية أنشأت صفحات على فيسبوك للتواصل مع المواطن، لكنها تحولت إلى منصات دعاية لصور الوزير والمحافظ ورئيس الحي في الجولات والافتتاحات، بينما تُترك الشكاوى بلا رد. وكذلك الحال مع الخطوط الساخنة التي غالباً ما تدخل المواطن في متاهة ردود آلية طويلة تنتهي برقم شكوي لا تتم متابعة أثرها
هذه الدوامة تحتاج تطبيق حلول عملية سريعة منها علي سبيل المثال :
إلزام كل رئيس حي بزيارات ميدانية أسبوعية لمناطق الشكاوى المتكررة مع نشر تقرير علني بنتائج الزيارة ، وفرض غرامات فورية ورادعة على اغتصاب الأرصفة مع إزالة التعديات في اليوم نفسه وتوثيقها إعلامياً ، وإطلاق تطبيق إلكتروني موحد لكل محافظة يتيح رفع الشكوى مع صورة وإلزام الجهة بالرد خلال 48 ساعة ومتابعة التنفيذ ، والأهم هو ربط تقييم أداء المسؤولين التنفيذيين بمؤشر رضا المواطن ونسبة حل الشكاوى .
إن استمرار هذا الوضع ليس مجرد إهمال إداري، بل هو جرس إنذار حقيقي يستوجب الانتباه له .. فغياب الرقابة والمحاسبة الجادة يُفقد الدولة ثقة مواطنيها، ويحول الشارع إلى ساحة فوضى، ويزرع اليأس في النفوس .. والنتيجة تآكل تام للثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.. وهو ما لا تستطيع أي حكومة تحمله على المدى الطويل !